الجزيرة في خطر (نُشر في 16 أبريل 2017)

تحقيقات كتاب الموقع

« أهلا بكم على قناة الجزيرة في قطر ».هكذا تعرف العرب على دولة قطر منذ انطلاقة قناتها الشهيرة الجزيرة أواسط التسعينات، قبل أن تتحول اليوم إلى ثنين ينفث نار الطائفية و الفرقة في ربوع المنطقة.

لم يكد يعلم أحد أو يسمع بهذه الإمارة التي نالت استقلالها بداية السبعينات، و كان المغرب من أواخر من اعترف بها، حيث اعتبرها جزء من الأم العربية السعودية إلى وقت قريب.

الإمارة المغمورة التي استغل ولي عهدها سفر والده لقضاء إجازة كي ينقلب عليه في 27 يونيو 1995، عاشت أزمة إفلاس حقيقة أواخر القرن الماضي مع انخفاض سعر المحروقات، المحرك الرئيس لاقتصادها. قبل أن تجد طوق نجاة في قناة كانت الرائدة في إيصال المعلومة لمواطن عربي أتخمته أكاذيب حكامه، و استثمار أمثل لناتج الغاز و تحويله لمسال يمكن نقله للعالم أجمعه.

عَبَرت قطر الألفية الأولى بسلام، و كانت قناتها الجزيرة تلعب أدوارا أكبر مما خطط لها. فالقناة كانت من غطت بشكل شبه حصري انهيار برجي التجارة خلال أحداث 11 سبتمبر بالصوت و الصورة من نيويورك للمواطن العربي، و قبل ذلك بسنة دشنت أكبر دعاية لبن لادن، حيث كانت منبره الحصري و هو يتوعد « لن تنعم أمريكا بالسلام حتى يعيشه أهلنا واقعا في فلسطين ».

سوقت القناة لتنظيم القاعدة و زعيمه بن لادن من جبال طورابورا، قبل و بعد الحادي عشر من سبتمبر، حيث أعلن من خلالها تبنيه الكاذب للأحداث، مع أن مذكرة البحث الصادرة من مكتب التحقيقات الفيدرالي لا تشير لاتهامه بتفجير البرجين، بل فقط بهجوم على المدمرة الأمريكية « يو إس إس كول » في خليج عدن العام 2000، و بالهجوم على سفارتي أمريكا بنيروبي و دار السلام سنة 98.

استمرت القناة-الدولة في تغطية احتلال أفغانستان و بعده العراق، تروج لدعاية كاذبة تظلل الجميع، حيث كانت تصور للعالم قوة ضاربة لنظام صدام حسين على لسان وزير إعلامه « الصّحاف »، المعروف بوصفه الفريد للجنود الأمريكان بالعلوج، بينما الواقع كان يشير لتقدم كاسح على الأرض لقوات الاحتلال، لتسقط بغداد في أقل من شهر.

القناة و معها قطر ركبت قاعدة تغيير الجلد و اللعب على أكثر من وثر، و الاتجاه أينما اتجهت الغالبية في العلن، مع خدمة مصالح الغرب و إسرائيل في السر، بشكل يفوق التّجرد في نقل المعلومة و الواقعية السياسية، ليصل درجة النفاق و التقية في أبشع أشكالها.

الدولة-القناة التي زعمت مساندة حزب الله خلال هجوم إسرائيل المدمر على جنوب لبنان صيف 2006، و التي كانت أشد المطبلين لنظام بشار، هي التي انقلبت عليه مع بداية الحراك الشعبي. و الدولة التي غطت غزو أفغانستان على أنه احتلال، هي التي تأوي أكبر قاعدة لأمريكا في الخليج، و هي التي فتحت مكتب تمثيل لحركة طالبان في الدوحة، حيث يجتمع الملتحون سرا مع الأمريكان دوي الأعين الزرقاء.

الدويلة التي يشكل المقيمون تسعون بالمائة من ساكنيها، هي التي تزعم تقديم دعم بالملايين لحركة حماس، و تستضيف سرا مسئولي الدولة العبرية بالأحضان. و هي التي أججت نار الخلاف بين فتح و حماس في قطاع غزة عقب وفاة ياسر عرفات سنة 2004، بتسريبات إعلامية تخدم طرفا و تدين الآخر : يوم سيطرت حماس على القطاع، أعلنت الحركة عبر القناة التمكن من أشرطة جنسية لمسئولين من حركة فتح، و ملفا لقياديي الحركة « دحلان » يدينه بغسيل أموال و شراء عقارات في دبي بأموال مشكوك في مصادرها.

القناة ركزت في آلاف وثائق ويكيليكس على ما يدين رئيس تونس و يصفه و نظامه بالعصابة، قبل أن تغطي بشكل غير حيادي أحداث الثورات في بلدان العرب : فتنفث في مصر و تونس و تطفئ في البحرين. إضافة إلى التورط ألمخابراتي الكبير لدولة قطر على الأراضي الليبية منذ إعدام القذافي على يد عميل مخابرات فرنسي.

قطر لعبت دور الوسيط بين جماعات إرهابية و الجيش اللبناني، لتحرير جنود لبنانيين على مدار السنوات الأخيرة، قبل أن تنغمس في صراع سوريا و تلعب دورا ليس بالشريف نهائيا.

قطر و إيران و جماعات مسلحة متشددة تقوم و منذ أزيد من سنة، بتهجير قصري للمدنيين هدفه المعلن فك الحصار عن المحاصرين من أطراف النزاع، و هدفه الحقيقي فرز طائفي للسكان تمهيدا لتقسيم سوريا إلى دويلات.

آخر مسلسلات التهجير الذي تورطت فيه قطر كان إجلاء مدنيين من أربع بلدات في ريفي دمشق و حلب بسوريا. الاتفاق كان بين ميليشيات شيعية بزعامة حزب الله و بين جماعات متطرفة في مقدمتها جبهة فتح الشام، التي أفادت مصادر مخابراتية أن قادة منها يحملون الجنسية القطرية، ما يفسر تيسير أي عملية تبادل للأسرى أو مدنيين تكون قطر طرفا فيها.

المأساة الأخرى كانت الأمس عندما فجر انتحاري نفسه في مجمع للحافلات كان يقل مدنيين موالين للنظام، ليخرجهم من مناطق يسيطر عليها المعارضون بريف حلب الغربي. تضاربت الأنباء حول هوية المنفذ و الجهة المسئولة، لكن رعاية قطر و إيران اتفاق تهجير قسري للسكان على أسس طائفية يحمل إمارة الغاز مسؤولية حماية المدنيين. التفجير أوقع 126 قتيلا و مئات الجرحى، و أثار ذعر المدنيين في المناطق التي يحاصرها النظام خشية عمليات انتقام واسعة.

قَطر تشبه ذلك الطفل الصغير الذي يلعب بالنار دون أن يدرك أن النار ليست باللعبة.هَذه الجزيرة الصغيرة هي جزء من جزيرة للعرب تعج بالمشاكل، و ينطبق عليها المثل المغربي: الأصلع أينما تضربه يسيل دمه.

تعداد قطر مليوني و نيف تسعون في المائة منهم أجانب، مما ينبئ بأزمة ديمغرافية تزداد حدتها يوما بعد يوم، علما أن اغلب هؤلاء الأجانب يعانون أوضاعا صعبة، و يعاملون في كثير أحيان بأسلوب أقرب إلى الحيوانات.الدولة تنعدم فيها حرية التعبير و أي شكل من أشكال الديمقراطية، حيث يحبس شاعر مدى الحياة فقط لنسجه قصيدة تنتقد الأمير، في إمارة تتغنى قناتها ليل نهار بالرأي و الرأي الآخر.

البحرين تعيش توترا اجتماعيا و سياسيا منذ ألفين و إحدى عشر، حيث تعيش أغلبية شيعية ظروفا توصف بالصعبة في ظل حكم نظام أقلية سني.

سلطنة عمان التي توصف بالمستقرة تعيش تحت ديكتاتورية مطلقة للسلطان قابوس، الذي يطبق على الحكم لأزيد من أربعة عقود، و يعتبر من الحكام القلائل الذين يجمعون بين صفة الحاكم و عدة مناصب وزارية. ثمن صمت الغرب على ديكتاتورية عُمان هو أن السلطان حوّل الدولة إلى جنيف الخليج، حيث تعقد أمريكا لقاءات سرية و علنية مع من تعذر لقاءهم في مكان آخر.

الكويت تعيش ديمقراطية سلبية منفصلة عن الواقع الاقتصادي، حيث البرلمان و الحكومة مثل طوم و جيري، فيمكن أن يحل البرلمان و تشكل حكومات عديدة في السنة الواحدة، بينما يضل الاقتصاد اقتصاد ريع توزع فيه عائلة آل صباح الغلة على المواطنين الكسالى.

الإمارات ليست أفضل حال على الأقل سياسيا و حقوقيا. و اسألوا المقيمين و المواطنين عن صراعات الحكم بين الأمراء، و عن الوضع الحقوقي المزري للعاملين الأجانب. دون الحديث عن التفاوت في اقتصاديات الإمارات المشكلة للإتحاد ، و الذي ظهر جليا في إفلاس إمارة دبي سنة 2009 عقب أزمة الرهن العقاري، لولا تدخل الشقيقة الغنية بتروليا أبو ظبي مقابل تنازلات مؤلمة، منها تسمية برج دبي العالي برج خليفة على اسم حاكم أبو ظبي خليفة.

إتحاد الإمارات متورط في الخارج بدعم للسيسي في مصر، و الوقوف إلى جانب حفتر في ليبيا ضد حلف يضم قطر و تركيا و السودان، أضف إلى ذلك اتهامات زعزعة الاستقرار في تونس، و الوقوف وراء عمليات إرهابية و اغتيالات سياسية، أبرزها اغتيال السياسي الشهير شكري بالعيد.

حال الشقيقة الكبرى السعودية ليس بالأفضل ، و سجل حقوق الإنسان فيها لا يُشرف. شرق ملتهب طائفيا بأغلبية شيعية و غنى بترولي.

كما تتورط المملكة في أكثر من نزاع إقليميا لا يظهر أنها ستخرج من إحداها منتصرة ، من سوريا التي أعلن وولي ولي العهد أنها معركة خاسرة، إلى اليمن الذي لم تنفع عاصفة الحزم و لا عودة الأمل خلال أزيد من سنتين، في كسر شوكة الحوثي و حليفه المحروق المخلوع علي عبد الله صالح.

خلاصة القول لحكام قطر أن من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة، و برميل الطائفية و الفوضى الذي يساهمون في إشعاله، سيشعل دويلتهم و معها جزيرة العرب. لتتغير لازمة قناتهم الشهيرة من « قناة الجزيرة في قطر » إلى « قناة الجزيرة في خطر ».

أيوب رضواني

أيوب رضواني

كاتب رأي و باحث في الجغرافية السياسية.