بريطانيا العظمى تقدم دروسا للتلميذ المغرب (الجزء 3) – أيوب رضواني

تحقيقات كتاب الموقع

بريطانيا بحكومتها التي تَسلّمت ملف المفاوضات الشائك مع أووربا، وضعت صوب أعينها مصالح اقتصاد الوطن و منتجاته في أي تفاهمات قد تصل لها مع الشريك الأوروبي. رئيسة الوزراء قالت أنها تبحث عن شركاء جُدد لعقد صفقات رابح رابح حقيقية لا تُؤلم مفاصل اقتصاد المملكة.

في المغرب، شعار رابح رابح يحتل قنوات الفضاء الرسمي لكن مع شركاء الجنوب الفقراء. شُركاء لا يمثل تبادلنا معهم عشر ميزاننا التجاري. أما مع الكبار، فقد سارعت الدولة لتوقيع اتفاق التبادل الحر مع الولايات المتحدة سنة 2004 بعد أقل من سنة من المفاوضات الشكلية، غير مُكترثة بالفرق بين الفيل و الفار، و أن أرجل الفيل ستَسحَق عظام اقتصاد الفأر الصغير.

مسئولونا أندك كانوا لاهثين خلف وهم « الشريك الاستراتيجي للناتو » الذي خدعهم به بوش الصغير مقابل خدمات مُحاربة الإرهاب و التحقيق بالوكالة مع المطلوبين للعم سام، و لقب أول بلد إفريقي يوقع اتفاق التبادل مع العملاق الأمريكي: المغاربة لطالما أُغرموا بصفة أول و أكبر و أضخم، حتى و إن كانت أكبر قصعة كسكس أو أضخم براد شاي! .

مُفاوضات التبادل الحر بين الإتحاد الأوروبي و كندا استغرقت عشرين سنة للصياغة و سبع سنوات من الأخذ و الرد، و بعد التوقيع خرج مزارعو أوروبا الصغار منددين بالاتفاق الذي « لا يراعي سوى مصالح الشركات العملاقةّ »!

تيريزا ماي أقرت أن مصالح العمال البريطانيين و أولويتهم في العمل كانت من دوافع الخروج من الإتحاد الأوروبي، و أن تلك المصالح ستكون في صلب المحادثات مع بروكسل. حزب المحافظين أراد من دعم الطبقة الوسطى إيصال رسالة مفادها أن الحزب ملك للجميع، و أنه يعتبر طبقة العمال و الموظفين عمود المجتمع و الاقتصاد، واصفا الطبقة الوسطى و الفقيرة « بالمواطنين الأصليين ».

في الضفة الجنوبية لجبل طارق هنالك أحزاب تعتبر طبقات الوطن الفقيرة و المتوسطة وقود الانتخابات و حطب السياسة: تلعب على أوتار مشاعرهم كل خمس سنوات، فترى الزعيم فُلان يأكل « الحَرشَة » في المقاهي الشعبية، و الزعيم علاّن يلتقط صورا مع بائعة جامع الفنا.

بعد ضمان الكرسي المريح ينبري زعماء الكرتون دفاعا عن مصالح شركات الكافيار و الويسكي و السجائر بمنع قانون يحظرها في الأماكن العامة من النشر في الجريدة الرسمية، و تركه داخل رفوف البرلمان سنين عددا.

« ماي » بقرار الخروج من النادي الأوروبي أرادت استرجاع مبدأ الأمة الواحدة المتجانسة لبنجامين دزرائيلي. هي كذلك تفتخر بتشبيهها بماركريت تاتشر، المرأة الحديدة التي أعادت لسياسة بريطانيا الخارجية بريقها. أمة تُكّرم عظماء الوطن و تمنحهم فرصة ترك بصمة في التاريخ بدل اعتبارهم « ورق طواليت » تُمسح بهم الأزمات و الثورات، قبل أن يُلقوا إلى هامش التاريخ بعد تكريم في الحياة بتسمية شارع باسمهم، أو بعد الموت بجنازة مهيبة لن تزيل غُصّة من انتقل إلى جوار ربه.

الدين بالنسبة للمحافظين بعيد جدا عن السياسة، و للناس أن يعتقدوا ما شاءوا، كما أن للأئمة أن يقولوا ما أرادوا حتى و إن أوغلوا في التطرف، مادامت السلطات لا تملك دلائل ملموسة تُدين هذا المواطن أو ذلك الإمام. المرّة الوحيدة التي لاحظ فيها المُراقبون حَشر تيريزا ماي للدين في السياسة كانت استعمالها مبادئ الكنيسة في الدفاع عن سياسة تقنين الهجرة حفاظا على تجانس الأمة و مصلحة الوطن، مقابل ما صرحت به سيدة ألمانيا أنجيلا ميركل من أن الدين المسيحي يأمر بإغاثة الملهوف (اللاجئين).

دولة الاستثناء تحتكر الدين و تدخله أين شاءت في السياسة و تُحيدُه أنى شاءت: تُوزع خُطبا تحُث على المشاركة في الانتخابات و تُجند أخرى لاستفزاز مشاعر الناس و الإيقاع بهم بداعي محاربة الفتنة. الدولة نفسها لا تنسى تذكير الأحزاب بعدم استغلال الدين في السياسة باعتباره مجالها الحصري. أما عندما يتعلق الأمر بشؤون المغرب الخارجية فأنت لا تسمع استدلالا بحديث أو بآية عند اتخاذ قرار أو موقف، خوفا من اتهام الغرب لشريكه المغرب بالظلامية و نقض صورة الوسطية و الاعتدال التي ندفع ثمنها ملايين الدراهم مهرجانات تحُث على التسامح و تدعوا للعيش المشترك.

موعدنا في الحصة الأخيرة إن شاء الله.

أيوب رضواني

كاتب رأي و باحث في الجغرافية السياسية.