حريم السلطان

تحقيقات كتاب الموقع

تابع المشاهد العربي و المغربي لسنوات مسلسل السلطان سليمان القانوني بعنوان: حريم السلطان.

قصر يدعى « حرملك » به، إلى جانب السلطان و رئيس حكومته (الصدر الأعظم)، الكثير من الجواري نساء فاتنات متعة حلال للسلطان، يحميهم و يخدمهم رجال « بالمظهر » يدعون « آغوات ».

السلطان لا يقلق من وجود الآغاوات، حيث أنهم مخصيون مجردون من المشاعر الرجولية، منكبين على خدمة السلطانات و السلطان، وقود للألاعيب السياسية بين الأقوياء. أما السياسة و معها الفحولة فيحتكرها السلطان و حاشية الحكم التي تعد على رؤوس الأصابع.

اليوم، و بعد انفجار أزمة الريف، نرى كل فئات المجتمع تناشد الملك التدخل و إطفاء النار التي قد تشتعل و تحرق الجميع.

الكل يناشد، مواطنين، مثقفين، جمعويين، رجال أعمال، سياسيين قدامى، بل حتى الحكومة تختبئ وراء جلباب الملك و يبلغ مسئولوها المواطنين الريفيين بأنهم مجرد مبعوثون من جلالة الملك، بمنطق « أنا غا مسخر » !

يطرح السؤال: من حول مسئولينا لمجموعة « آغاوات » لا تسمن و لا تغني من جوع؟ من أوصل مجتمع المغرب لهذه الدرجة من العقم و « ألخصي السياسي »، حتى لا يستطيع إنجاب عشرة مسئولين أكفاء يحاورون مواطني الريف و يحلون مشاكلهم كما باقي مشاكل المجتمع؟

ما فائدة جيش رؤساء المؤسسات العرمرم الذي استقبل ملك الأردن في زيارته للمغرب شهر مارس الماضي؟ جيش استقبل عاهل الأردن بمنطق « شوف المؤسسات اللي عندنا ! ». يكلف ميزانية الدولة مليارات الدراهم سنويا، نراه يحشر أنفه في قضايا التقاعد و الإجهاد و يعتبرها مصيرية، بينما يتوارى كلما اشتم رائحة « الشياط ».؟

ما دور 500 « لقلاق » يسكنون « برمت لامان » بغرفتيها، لا نراهم مجتمعين إلا أول السنة التشريعية لتسجيل الحضور ثم الانصراف لقضاء الأغراض؟ أين حكومة صلح الحديبية التي شغلت معها المغاربة عاما و صرف على تعيينها ما يعمر مئة ريف، لتخرج مشوهة بدون هوية و بثقة كبيرة لواضعيها و رؤسائها المليارديرات؟

الملك محمد السادس الذي أعطى أوامره الصارمة سنة 2011 لشرطة الرباط بعدم التعرض « لمتظاهري الربيع »، يعطي اليوم أوامره للشرطة للانسحاب من قلب مدينة الحسيمة. ماذا تغير خلال ست سنوات؟ أين هو رئيس الحكومة القوي الذي فوضه الدستور صلاحية إدارة شؤون الدخل؟ أين وزير الداخلية الشجاع الذي يخرج للرأي العام ببيانات يومية حول إجراءات أجهزته، بدل أخد أسئلة « نوام الأمة » للمنزل مدة أسبوع، لمراجعة الأسئلة و تحضير الأجوبة؟!

منطق التوازن الذي يحرص المخزن على تكريسه مفهوم من الناحية السياسية، حيث الأفيد للمجتمع عدم احتكار جهة أو حزب واحد السلطة، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة. الحل إيجاد أحزاب و هيئات قوية تتدافع فيما بينها، و ليس خلق مسخ سياسي زينة للمراقبين الدوليين، تتلون بألوانه حكومة لا تملك من الصلاحيات سوى الاسم!

توازن مشوه أُقصي بموجبه حزب العدالة والتنمية من الحياة السياسية، و هو الحائز على أكثر تمثيلية من أقلية عبرت عما في صدورها بمنطق الديمقراطية. المنطق المشوه ذاته تصر به الدولة على إقصاء جماعة العدل والإحسان و الاكتفاء بعد أعضائها الذي تجاوز عتبة الثلاثة ملايين، و تسجيل أسمائهم وعناوينهم في وثائق المخابرات، و فصل بعض من منتسبيها من أعمالهم من حين لآخر بمنطق « راك في البال ».

المنطق الذي يعتقد المخزن و الدولة العميقة أنه صحي، لا يفسر إفراغ المجتمع من كفاءاته التي تمثل نبض الشارع و المواطن، و تعويضهم بثلة من « الفارغين » سياسيا، المشبوهين أخلاقيا و ماليا.

اللعبة أصبحت مفضوحة: إقصاء النزاهة و صعود اللا كفاءة. ثم التشكي و كيل الاتهامات للنخب بكونها غير كفئة، ما يبرر كل مرة تدخل أهل الحل و العقد، و ظهور أهميتهم كل كرة يقف فيها المغرب أمام أزمة حقيقية.

لطالما أمنت الدولة بمنطق إدخال الشعب و إشراكه وقت الأزمات، و التخلي عنه و إهمال صوته وقت الفرج و تقسيم الغنائم. ناشدت محمد بوستة و عبد الرحمن اليوسفي التدخل و إنقاذ المغرب من السكتة القلبية و تمهيد انتقال سلسل للسلطة سنة ثمانية و تسعين، و تخلت عن اليوسفي و قلبه مليء بغصة كبيرة بعد استتباب الوضع سنة 2002 لتسلم الكعكة للملياردير « جطو ».

كذلك فعلت الدولة مع بنكيران في مأزق الربيع العربي، قبل أن ترمي به بعد أن ظنت أن الأمور قد فضت، وتسلم كعكة التنمية للملياردير أخنوش بوزارة تستحق أن تسمى « وزارة المغرب إلا ربع » لضخامة ميزانيتها و شساعة اختصاصاتها.

الدولة نفسها تسجل على السياسيين الزلات و تحفظها في مكان أمين، قبل أن تستعملها للتحكم فيهم عن بعد بتقنية « التيليكومند ».

حركت حميد شباط كالدمية ليزعج و يقلب أولويات الحكومة المنتخبة سنة 2012، قبل أن تخرجه من الباب الضيق بعد أن خالف قوانين اللعبة. كما تحكمت في « مزوار » صاحب قضية تبادل لبريمات مع خازن المملكة بنسودة من تحت الطاولة. حركته في انتخابات الجماعات و الجهات سنة 2015، ليجد حزب البيجيدي نفسه يحكم المدن و يسير ميزانيات النظافة و المجازر الجماعية، لكنه بعيد كل البعد عن « هبرة » الجهات، و كعكة مخطط العالم القروي.

خصي للقوى الحية داخل المجتمع انطلق منذ فجر الاستقلال فأخرج المهدي بن بركة من السياسية و من الحياة سنة 65 باختفاء غامض، بينما تم الإيقاع باليسار في فخ العمل المسلح و السري طيلة سنوات السبعينات و الثمانينات ليضرب بدون رحمة و براحة ضمير. خصي أفضى بالمغرب لأن يحكم بمنطق « الأب » الذي يرضى عن بعض أبنائه و يغضب عن آخرين. مغرب ينمي الجهات « المرضية » و يفقر الجهات و المناطق « المعصية ».

وطن كان قاسيا على مواطنيه في الريف سنتي 58 و 59، فصب عليهم العذاب من الجو بطائرات من المفروض أن مهمتها حمايتهم لا قتلهم.

الأب ضرب أبناء الحسيمة سنة 1984 لخروجهم و مطالبتهم بالخبز، و ضل غاضبا عليهم أربعين سنة ل « يخرج الإبن عن الطريق »: 800 ألف مزارع يعتاشون من زراعة القنب الهندي. الحشيش الذي ينعش أوردة المغرب بثلاثة أضعاف ما تجود به السياحة بكل مخططاتها. في هذه الحالة الوطن من يأكل الغلة و يسب الملة، و ليس أبائه !

الريف يعتاش من تحويلات أبنائه في الخارج. الأبناء الذين لا يعترف المغرب بوطنيتهم إلا شهرا في السنة، فيستقبلهم بشارات صفراء و أرقام خضراء ترشدهم لأكثر المناطق ازدهارا حتى ينفقون ما تيسر من أموال.

50 ألف شخص من سكان الريف يتسللون لمدينتي سبتة و مليلية « المحتلتين » في رحلات تهريب تشمل المخدرات والسلع الاستهلاكية وغيرها من المواد، مثل الملابس والخمور والتبغ في ذل و هوان، مطأطئين رؤوسهم لضربات العسكر الإسبان و « دمغات » و إتاوات المخزن المغربي.

فيض من غيض من آلام منطقة قاومت الاستعمار بحق، و ليس بالهتافات الفارغة في العلن و توقيع اتفاقيات الذل مع المستعمر الفرنسي في السر، لرعاية مصالحه مائة سنة : « اتفاقية إكس ليبان ».

ألم لم تنقص من حدته الحركة الأبوية الحنونة، عندما ذهب الملك محمد السادس و أقام مع الحسيميين ثلاث ليال بعد زلزال 2004. كما لم يخفف من وطأة الكرب تقريب بعض من أبناء الريف و إدخالهم دائرة الحكم في العهد الجديد.

« إلياس العماري » و « حكيم بنشماس » لم ينكبوا على مصالحة أبناء منطقتهم بوطنهم الأم، بل اكتفى الأول بالمتاجرة بآلام مزارعي الحشيش، حيث يخرج الموضوع من الثلاجة كلما اقتربت انتخابات حتى يحصل 57 صوت يصعد بهم لرئاسة واحدة من أكبر جهات المملكة.

« بنشماس » يمثل دور المعارض الشرس لبنكيران داخل ردهات البرلمان بمداخلات نارية، بينما يدافع عن إعفاء أصحاب الويسكي و مستوردي الكافيار من الضرائب وراء الستار.

تتفيه شعب بقنوات صرف صحي لم يتغير رئيسها من 1999 ما يؤشر على أنه جاء لينجح مخططا، و تعليم لم يعد يربي و لا يعلم، بل يحجز الأبناء عن الشارع و يوصلهم ب « كرطونة » لمسيرة العذاب في الجامعات و الضرب في الشوارع و الزبونية و الرشاوى لتحصيل وظيفة تمكنهم من الأكل و الإنجاب كالأرانب.

كلها أمور لن تفضي إلا لميلاد أفراد إذا رأيتهم تعجبك أجسادهم و إن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة. « رعايا » يهتفون « عاش عاش » وقت الفرج و يهربون و يفرون وقت الحاجة.

الهتاف يكون للشخص و الدفاع يكون عن الوطن، فلا تتوقعوا وطنية من أناس أهانهم الوطن فكرهوه و مقتوه.

حذار يا أختي حذار !…خلاتها المواطنة الوطنية زينة الداودية.

أيوب رضواني

أيوب رضواني

كاتب رأي و باحث في الجغرافية السياسية.

  • 92
    Shares