قراءة متأنية في مرسوم ترقية الممرضين.. ملحمة عنوانها الاصرار حتى الانتصار

تحقيقات كتاب الموقع

قراءة متأنية في مرسوم ترقية الممرضين.. ملحمة عنوانها الاصرار حتى الانتصار

مع مصادقة المجلس الحكومي المنعقد اليوم الخميس 14 شتنبر على المرسوم الذي تقدمت به وزارة الصحة بشأن تغيير و تتميم النظام الاساسي لهيئة الممرضين المشتركة بين الوزارات، الذي يعد احد المطالب المحورية التي رفعها و ناضل من اجل الممرضات و الممرضون منذ مارس 2011، و ذلك من خلال تسوية وضعيتهم الادارية (المعادلة الادارية) لدبلوماتهم في الدراسات الشبه الطبية بسلكيها الاول و الثاني؛ و بالتالي اعادة ترتيبهم في سلالم الوظيفة العمومية المناسبة لدبلوماتهم ابتداءا من السلم 10 لحاملي دبلوم الدولة في التمريض (باك+3) و السلم 11 بالنسبة للحاصلين (باك+5) مع فتح افاق الترقي باضافة درجة خارج السلم لاول مرة في وجه الممرضين، اقول مع مصادقة المجلس الموقر تكون ابرز حلقات الصراع بين الممرضين و الوردي التي استمرت لازيد من ست سنوات قد شارفت على الانتهاء بنتيجة لا غالب و لا مغلوب..

قبل الخوض بتأني في تفاصيل المرسوم الموقع من طرف 3 وزاراء هم الوردي (الصحة) و بوسعيد (المالية) و بن عبد القادر ( المكلف بالادارة العمومية) يجب ان نقف جميعا وقفة اجلال و اكبار لكل الممرضين و الممرضات كل من موقع على روحهم النضالية و اصرارهم على انتزاع المعادلة الادارية و العلمية لدبلوماتهم و استبسالهم الشديد و ايمانهم المطلق بعدالة و مشروعية قضيتهم، التي من اجلها خاضو العديد من المسيرات الوطنية بالرباط و مراكش و العيون و الوقفات الاجتجاجية اليومية و الاعتصامات و الاضرابات الوطنية المتعددة، التي تمت مواجهتها في العديد من المرات بالمنع و القمع و التوقيفات الادارية المختلقة. اذن لكم و لكن معشر الشرفاء و الحرائر كل المجد و التنويه. فالتاريخ وحده سجل و سيذكر نضالتكم بمداد الفخر و الاعتزاز.. فهنيئا لكم/لكن بوسام شرف النضال✌✌

إن من ابرز التحديات التي كان يفرضها تتميم النظام الاساسي الخاص بالممرضين هو كيفة تغييره دون المساس بمكتسبات الاطر التمريضية اولا و كذا الحفاظ على لحمة و وحدة الجسم التمريضي في التسمية و ضبظ الصفة، خاصة و ان هذا النظام الجديد يجب ان يشهد لاول مرة ادراج دبلومات الممرضين خريجي نظام التكوين الجامعي LMD الحالي في الوظيفة العمومية الصحية في السلم العاشر؛ و بالتالي ضمان اجتيازهم لمباريات التوظيف التي ظلت غير ممكنة ما لم يتم تحيين هذا النظام.

و بهذا، تحول النظام الاساسي المؤطر لمهن التمريض لاول مرة من نظام منغلق خاص فقط بالممرضين المزاولين في اسلاك وزارة الصحة الى نظام مشترك بين الممرضين في كل القطاعات بمن فيهم غير المزاولين قي وزارة الصحة. و بالتالي يكون المشرع قد اجاب و لو بطريقة سطحية عن الاشكالات التي يتخبط فيها الممرضون خارج اسلاك وزارة الصحة، خاصة منهم اطر مصلحة حفظ الصحة الجماعية الذين ظلو يعانون طيلة المدة الفاصلة من عدة فوارق و تعسفات بسبب غياب نظام اساسي يشملهم كذلك. هذه الفئة ستخضع منذ الآن كباقي الممرضين بالمغرب لنفس مقتضيات و ضوابط النظام الاساسي، اسوة باخوانهم العاملين في وزارة الصحة. كما يحسب لهذا النظام الجديد انه حافظ منذ التقديم و في جميع بنوده على وحدة التسمية بين الممرضين المجازين من الدولة خريجي معاهد تأهيل الاطر في الميدان الصحي سابقا و خريجي نظام التكوين LMD الجديد في المعاهد العليا للمهن التمريضية و تقنيات الصحة حاليا. بحيث يعيب كثيرون على نظام 1993 انه فصل بين الممرضين المساعدين آن ذاك و المجازين من الدولة، مما فتت القطاع و اشعل النعرات الفئوية داخل الجسم التمريضي الواحد.

إن من ابرز انتصارات الممرضين على الوردي و حكومة العثماني كما عنون بذلك الرائع يوسف الساكت مقاله بجريدة الصباح عدد الخميس 14 شتنبر هو توسيع نطاق التشريع في ميدان التمريض ليتضمن النظام الاساسي لاول مرة تفصيلا يمكن اعتباره مبدئيا بالمدقق لمهام الممرضين حسب التخصصات. حيث انتقل النظام الاساسي من حديث عن المهام و الادوار الوصفية المدرجة بصفة عامة و شمولية في آخر الانظمة الاساسية الذي يعود لسنة 2007، الى ظبطها بصفة محددة حسب مجال التخصص التمريضي. ليؤكد المرسوم المصادق اليوم انه تنضاف الى الادوار العامة المنصوص عليها في المادة 3 من المرسوم، ادوار اخرى حسب احد المجالات التمريضية التالية 1) الممرضين ؛ 2) القابلة و التي افرد لها المشرع مجالا اكثر من باقي التخصصات، مفصلا في مهامها بطريقة ادق و افصح ربما نظرا لحساسية تدخلها و ايضا توجه الدولة للحد النهائي من وفيات الامهات و الاطفال؛ 3) تقنيو الصحة و الغريب هنا ان المرسوم تحدث فقط عن مهام تقنيي حفظ سلامة البيئية و تقنيي الاحصائيات بينما اغفل تقنيي الاشعة و المختبر؛ 4) اخصائيو الترويض؛ 5) مجال المساعدة الاجتماعية.. و هذه كلها اضافات و تدقيقات لم تكن ضمنة في مرسوم النظام الاساسي لسنة 2007.

اما فيما يخص توظيف و ترقية الممرضين المزاولين فقد حافظ النظام الاساسي على نفس الشروط الخاصة بالتوظيف عبر اجتياز المباراة التي ستفتح في وجه الممرضين الحاصلين على دبلوم الدولة او احد الدبلومات المماثلة ابتداءا من السلم 10 عوض السلم 9، و السلم 11 بدل السلم 10 الحاصلين على الماستر او دبلوم السلك الثاني او ما يعادلهما. بينما تم فتح الترقية للدرجة الجديدة خارج السلم او الدرجة الاستثنائية عبر المباراة المهنية و / او الترقي بالاختيار حيث اضاف المرسوم 3 رتب جديدة بالدرجة الممتازة (السلم 11)، محددا معدل السنوات في كل منها في 3 سنوات من العمل. غير ان النظام قلص في نفس الصدد من فترة التمديد في التمرين (المدة قبل الترسيم) من مرتين كما كان الشأن في مرسوم 2007 الى مرة واحد. كما اعفى النظام الاساسي الممرضين الموظفين الذين سيستكملون دراستهم في سلك الماستر ابتداءا من هذه السنة الجامعية من اجتياز مباراة للادماج في السلم 11. بحيث سيتم اعتبار امتحان تخرجهم بمثابة مباراة للتوظيف تنفيذا للفقرة 22 من قانون الوظيفة العمومية. و هذا حظ جيد بالنسبة للمعنيين؛ و فيه تجاوز للازمة التي كانت عرفتها تسوية وضعية الممرضين خريجي المدرسة الوطنية للصحة العمومية، التي يفتقر مرسومها المهيكل لهذه المادة. مما ادى احتجاز جميع الممرضين الخريجين في السلم 10 بدل ترقتيهم الى السلم 11 عند نهاية التكوين.

اليوم و نحن امام انطلاق مسار التسوية الفعلية لمطلب المعادلة الادارية الذي عمر طويلا و كان احد الركائز الاساسية في محضر اتفاق 5 يوليوز 2011 الموقع بين حكومة عباس الفاسي و المركزيات النقابية بقطاع الصحة، كاحد اقدم الاتفاقات الجماعية الذي تملصت الدولة منه و امتنع عبد الاله بنكيران عن اجرأته ظلما و عدوانا، بسبب ظلامية فكره عدم ايمانه بفضيلة الحوار و تحفيز اطر الدولة.. إن النظام الاساسي المعدل اليوم يقترح وصفة بسيطة لترقية الممرضين المجازين من الدولة حاملي دبلومي السلك الاول و الثاني الذين يبلغ عددهم ازيد بقليل من 12000 ممرض و ممرضة الى السلمين 10 و 11 على التوالي، و بذلك بنفس المنهجية التي تكتسيها تسوية وضعية الناجحين في مباراة الترقية المهنية اي الصعود بدرحة و التراجع برتبة مع ما يترتب من تغيير او حدف في الاقدمية. كما خصص المرسوم لهذه التسوية سنتين -اغلب الظن ان تبتدأ الاولى في 2018 و تشمل الممرضين خريجي افواج من 2004 الى 2009 او 2010 على اكثر تقدير. بينما سيشمل الشطر الثاني التسوية المالية لباقي الافواج الى حدود فوج 2015 اخر افواج نظام التكوين بمعاهد تاهيل الاطر في الميدان الصحي و ذلك في سنة 2019-. حيث ستبلغ التكلفة المالية الاجمالية لهذه العملية حوالي 25 مليار سنتيم. ليبقى السؤال المعلق هنا هل سيستفيذ ممرضوا شطر الثاني من الاثر المالي من تاريخ صدور المرسوم بالجريدة الرسمية ام من تاريخ صرف المستحقات المالية؟؟!! و من جانب اخر، سيستفيد الممرضون المرتبون سلفا في السلم 10 و 11 المرسوم من اضافة سنتين في الاقدمية الاعتبارية سيكون لهما انعكاس ايجابي على الصعود في الرتب و تقليص عدد السنوات الانتظار الست المطلوبة لاجتياز الاختبارات المهنية.. بالاضافة الى ذلك فقد اتاح المرسوم الفرصة و سمح للمتصرفين الذين سبق لهم ان اشتغلوا ممرضين قبل تحويل الاطار ، بالعودة الى اطار الاصلي للاشتغال كممرضين مجازين من الدولة مع الاحتفاظ بكافة حقوقهم القانونية و الادارية المكتسبة ، لكن المرسوم لم يحدد بالمرة كيفية و طريقة و كذا شروط استئنافهم لمهامهم كممرضين..

اما وزارة الصحة فقد ثمنت اليوم الخميس في بلاغ اعقب مصادقة المجلس الحكومي على مرسوم النظام الاساسي الجديد للممرضين المشاركة الفعالة للنقابات ، مؤكدة بأن نجاح المرفق العمومي الصحي لن يتأتى إلا بالعمل الجماعي والمشترك والتشاور مع كافة الفرقاء الاجتماعيين. و هنا لن يمكن ان نغفل عن الادوار البارزة في الترافع و الدعم الذي لعبته النقابات، و في مقدمتها النقابة الوطنية للصحة العمومية ف د ش التي كانت سباقة لتوجيه مذكرة ترافعية و جوابية مفصلة، تتكون من اربع صفحات مدققة و شاملة في موضوع تغيير و تتميم النظام الاساسي موضوعنا، و ذلك بتاريخ 30 ابريل المنصرم، و الذي اعتبر آن ذاك ان لا اصلاح لاي نظام اساسي خاص بهيئة الممرضين الا بتسوية وضعيتهم الادراية و ترقتيهم و التقيد بمحضر اتفاق 5 يوليوز 2011، وفق منهج و خطوات نلاحظ اليوم ان وزارة الصحة قد ضمنتها بالمرسوم و تقيدت بها بنسب تبلغ 90%؛ و في مقدمتها عدم تجزيئ و تقسيم الممرضين الى فئات جديدة و الحفاظ على لحمة الجسم التمريضي، و ترقية جميع الممرضين خريجي السلك الاول الثاني من النظام القديم دون استثناء بمن فيهم الغير الحاصلين على الباكالوريا، كذا صون مكتسبات جميع الممرضين في الاقدمية الاعتبارية و فتح درجة جديدة خارج السلم، و هو الشئ الذي تأتي اليوم بفضل تظافر جهود الجميع.

إن ما ينغص على الممرضين الشعور الجيد بالارتياح في افق نشر هذا النظام الاساسي الذي سيبقى حبرا على ورق دون نشره بالجريدة الرسمية في اقرب الآجال، هو امتناع دولة و نكوصها عن الحق المشروع في الاثر المالي الرجعي المترتب عن المعادلة الادارية انطلاقا من يوليوز 2011 على الاقل، التاريخ الذي يكتسي فيه مطلب المعادلة صغيته الرسمية و الملزمة انطلاقا من محضر الاتفاق الموقع مع الحكومة، و ذلك ان الممرضين ليسو مسؤولين عن تراجع الدولة و عدم التزامها بتعهداتها القانونية، التي تبقى ملزمة ولو بعد مضي 6 سنين على المحضر، في اطار استمرارية المرفق العام. ربما هي براكماتية اللحظة النضالية التي تلزم على الممرضين القبول بالمثل « عصفور في اليد، خير من عشرة على الشجرة »؛ و ذلك في افق انطلاق صراع جديد بين وزارة الصحة و الممرضين ( الذي اظنه لن يتأخر كثيرا) من اجل من مطالب اخرى و اولها اقرار الاثر الرجعي للمعادلة الادارية، و التي لحسن الحظ ان المرسوم ترك الباب فيها مفتوحا دون تقييد.. ففي دولتنا ما لا يأتي بالنضال .. يتأتى بمزيد من النضال.

مع تحيات
حمزة ابراهيمي
ممرض مجاز من الدولة، مفرج عنه من الزنزانة 9

حمزة ابراهيمي

ممرض كاتب رأي ومدون.

  • 107
    Shares