« هيئة الممرضين: السوق السوداء لوزارة الصحة » – ذ. محمد عبد الله موساوي

أخبار الصحة, الرأي والرأي الآخر

« هيئة الممرضين: السوق السوداء لوزارة الصحة »

بقلم : ذ. محمد عبد الله موساوي

لعل الحراك المحمود الذي تعيشه آنيا المنظومة الصحية لاسيما في شقها التكويني هو إشارة إيجابية على استشعار الوزارة أخيرا للدور الاستراتيجي الذي يضطلع به العنصر البشري للنهوض بقطاع صحي سقيم مُثقل بإرهاصات سياسات و حسابات و مناهج سابقة استنزفته ماديا، تقنيا و تنظيميا و خدشت وجنتيه مجتمعيا.

من منطلق أنه في بلدنا الكريم « حتى ذيبْ ما يعْوي لله » فإن الإكراهات الدولية، الإقليمية و الداخلية فرضت بلا شك على وزارة الصحة المغربية محاولة اعتماد منظومة تكوينية خاصة بالممرضين تتماشى و الإملاءات الدولية المطبوعة بدءً بإعلاني السوربون و بولون سنوات 1998 و 1999 حول ضرورة العمل بنظام إجازة ماستر دكتوراه، مرورا بتوصيات المنظمة العالمية للصحة في مختلف تقاريرها و ملتقياتها، وصولا عند إصدارات المنظمات العالمية غير الحكومية من قبيل الدراسة التحليلية للسكرتارية العالمية لممرضات و ممرضي الفضاء الفرانكوفوني سنة 2011 بخصوص وضعية تكوين الممرضين ببعض الدول، و التي بدا خلالها المغرب جد متأخر مقارنة ببلدان أخرى كساحل العاج، لبنان و تونس… علما أن إرساء نظام إجازة ماستر دكتوراه قد استُهِلَّ بالنسبة للممرضين بكندا في نهاية القرن العشرين، و في سنة 2009 بالنسبة لفرنسا، فقد أعطى أجمل بلد في العالم انطلاقة تحضيراته لذات النظام عام 2002 في إطار اتفاقية لوزارة الصحة بمعية بعض الجمعيات التمريضية مع جامعة موريال كلية علوم التمريض استفادت بموجبها دفعة من الممرضين المغاربة من دبلوم في الماجستير معترف به من طرف نفس الجامعة الرائدة عالميا في علوم التمريض.

تلك كانت نقطة الضوء الوحيدة في المسلسل الانتقالي لإصلاح مسلك التكوين التمريضي و الذي أنهت بَثّهُ وزارة الصحة بفرض نظام مباراة ولوج الوظيفة سنة 2007 على الخريجين من الممرضين رغم التعارض القانوني لكونهم يُكَوَّنون لصالح الإدارة، و بعدم تكليف نفسها عناء توحيد و تقييم المشهد التكويني الحالي للممرضين، الذي وُلد و ترعرع بقدرة « طبيب » قادر منذ سنة 1993 فتُركت لكل معهد الحرية الكاملة في التعاطي مع هذا المولود بوأدِهِ أو تشويهِه، و بما أن التحضير « لْوْزيعَة مْضَخْمة » من قبيل نظام إجازة ماستر دكتوراه يستلزم تجمهر أكبر عدد ممكن من « صْحاب الشكارة » و « الزْرايدية » تمت دعوة المؤسسات الخاصة للممرضين التابعة للتكوين المهني رسميا سنة 2012 قصد الالتحاق بوفد « مسامر الميدة » بولوج الوظيفة العمومية « الخصوصية » و الاستفادة من السلم العاشر كما ينص على ذلك مشروع المرسوم المُعدِّل و المُفبرِك للنظام الأساسي للممرضين.

تمخضت وزارة الصحة لمدة عشر سنوات لتلد مرسوما تنظيميا وحيدا مُعاقاً ذهنياً دون نصوص تطبيقية تحت رقم 13-658-2 اختارت له من الأسماء الملغومة لقب « المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة »، و الذي يُمهد للشتات الأعظم داخل هيئة الممرضين الورقية باختزال إطار الممرض في متعددي الاختصاصات، المبنجين و المروضين، ومن تَمَّ إلحاق الباقي بهيئة التقنيين المشتركة بين الوزارات في انتظار عزل هيئة خاصة بالقابلات بعيدا عن الجميع.

سأعرج على المادة 24 من المرسوم « السّندويتْشْ » السالف الذكر الذي صيغ و صودق عليه في ظرف قياسي « كمعاهدة الحماية »، حيث لم تأتي هذه المادة على ذكر الأساتذة الدائمين خريجي السلك الثاني لمعاهد تأهيل الأطر في الميدان الصحي ضمن مكونات الموظفين القائمين على هذه المؤسسات في صيغتها المُسْتَنسَخة التي ستنكشف عوراتها بداية من الموسم الجامعي 2013-2014 كمؤسسات للتعليم العالي غير التابعة للجامعات، إذ تم إدراج الفئة المذكورة أنفاً تحت مُسمى « موظفين يؤدون مهام التدريس » لا كأساتذة دائمين قضوا سنتين من التجنيد الإجباري البيداغوجي بالسلك الثاني المتخصص في علوم و طرق التدريس. هنا تلزم الإشارة إلى أن هذا الإقصاء ليس وليد المرسوم الجديد، فحتى القانون الداخلي للمعاهد لسنة 1995 لم يكن يعترف صراحةً بالأساتذة خريجي السلك الثاني من خلال مادته رقم 48 التي ضمت آنذاك الأساتذة الباحثين رغم انعدامهم و أعدمت الموجودين رغم كينونتهم. كذلك الأمر بالنسبة لحراس المصالح الصحية خريجي السلك الثاني المُنعدمين بين طيات القانون الداخلي للمستشفيات، الذي نظم حتى ولوج المجرمين المعتقَلين إلى المستشفى في حين لم يعترف بهذه الفئة من الموظفين الساهرة على كل صغيرة و كبيرة من الأمور التسييرية، التأطيرية و التنظيمية داخل المؤسسات الصحية!!!

سأختم هاته الهلوسات المهنية التي تؤرق بالنا جميعا ببعض المقترحات العملية التي نبتغي عبرها فتح أواصر النقاش و التوجيه و التناصح و حتى اللوم، فعلى قدر الهوى يأتي العتاب. لعل أكثر فئة سيعاتبها التاريخ التمريضي بالمغرب هي خريجي السلك الثاني نظرا لثقل مسارهم المعرفي و قيمة قدراتهم التحليلية، التسييرية و المبادرتية، ما يستلزم منهم توظيف أفكارهم و قوتهم الاقتراحية و التقييمية بغية توجيه دَفَّة المركب التمريضي و تحصينه و تنوير سبيله، لذا علينا التدبر برزانة و عمق فيما يلي:

– التفكير في تنظيم ورشات جهوية قصد الخروج بمقترحات لتعديل النظام الأساسي للممرضين بكيفية تخدم أولا و أخيرا الممرض المغربي بجميع تلويناته و أرقامه الاستدلالية.

– الحفاظ على اللّحمة التمريضية بين مختلف التخصصات و الإطارات التمريضية كروحٍ و مبدأ لا مَحيد عنه في أي مقترح تعديل قانوني، و عدم الانصياع لمخطط تفتيت الجسم التمريضي بين ممرضين و تقنيين و إداريين و مروضين و قابلات…

– اقتراح إضافة إطارين اثنين إلى هيئة الممرضين هما إطار الممرضين الأساتذة الدائمين، و إطار الممرضين حراس المصالح الصحية، إلى جانب الممرضين المجازين من الدولة و الممرضين المساعدين المذكورين حاليا ضمن النظام الأساسي.

– المطالبة ضمن توصيات مقترح القانون الأساسي بإلحاق التقنيين المتخصصين في التمريض خريجي مراكز التكوين المهني الخصوصية بهيئة التقنيين المشتركة بين الوزارات وفقا لتنظيمهم القانوني.

– تنظيم لقاء وطني عاجل لطلبة و خريجي السلك الثاني قصد مدارسة المستجدات و الوضعية الحالية الكارثية و كذا المستقبل المُبهم الساعي لإبادة إطاراتهم و هويتهم المهنية.

– « موظف يؤدي مهام التدريس » ليس كمثل أستاذ دائم، لذا على الأساتذة الممرضين الحاليين التفكير في وضع طلبات إعفاء من هذه المهام و الاكتفاء بمهام التسيير التي تكفلها لهم المادة 16 من النظام الأساسي داخل المؤسسات الصحية كموظفين ممرضين مسيرين من الدرجة الأولى، و بانعدام نص قانوني ينظم مهام الأساتذة من الممرضين يمكن تصنيف الموظف الذي يؤدي مهام التدريس في عِداد الأساتذة العَرَضيين « VACATAIRE » و عليه بالإمكان طلب الإعفاء من الشق التأطيري داخل المصالح الاستشفائية و تقليص ساعات التدريس الزائدة عن الحد و اللاإنسانية، و ذلك في أقرب الآجال.

– المطالبة بالتعويضات عن التصحيح و الحراسة و المهام الإضافية التي يؤديها الأساتذة الممرضون.

– مطالبة جماعية من طرف حراس المصالح الصحية بتحديد أعمالهم الوظيفية رسميا وفقا للقدرات التي يخولها مسارهم التكويني مع الاعتراف بإطارهم داخل النظام الأساسي و كذا القانون الداخلي للمستشفيات بالنظر إلى أن المهام الواردة في المادة 16 تتعارض و القدرات الفعلية لحراس المصالح الصحية.

أمَلي أن نلتحم من جديد كهيئة موحدة للممرضين إذا وهن إطار من إطاراتها أو زاغت فئة من فئاتها تداعت لها الهيئة جميعُها، نحب بعضنا كالإخوة و نعاتب نقَيم و نتحدى بعضنا في الإبداع و الاقتراح كالخُصوم… لا نتنكر لروح و معنى وجودنا المهني ذاك « المواطن العليل » الذي لا علم له بمعاناتنا لكننا نعلم جيدا طرق العلاج و التخفيف من أمراضه و أسقامه لأنه مفتاح نجاحاتنا المهنية و سر لمعان صورتنا المجتمعية، و الله ما لنا سوى تكثلاتنا و نضالاتنا و وحدة كلمتنا « ما يَبْكِلك غير شَفْرْك و ما يْحَكْلك غير ظفْرك ».

_________
ذ. محمد عبد الله موساوي
ممرض خريج السلك الثاني بمعهد تأهيل الأطر في الميدان الصحي بوجدة

أناس البقالي

ممرض في التخدير و الإنعاش و كاتب رأي.

  • 127
    Shares