ادفعوا الجزية يا مسلمين! (الجزء 1) – أيوب رضواني

تحقيقات كتاب الموقع

”عليهم أن يدفعوا إن أرادوا الحماية“ هكذا صرح الرئيس الأمريكي « دونالد ترامب » لأحدى وسائل الإعلام الأمريكية بعد توليه الرئاسة، متحدثا عن علاقة واشنطن  ببلدان الخليج خاصة و العرب و المسلمين عامة. هكذا كان و هكذا سيبقى إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

البداية كانت باتفاق (كوينسي) الشهير بين الملك عبد العزيز بن سعود والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن إحدى حاملات الطائرات الأمريكية في فبراير 1945. اتفق الجانبين على حماية (الكوبوي) الأمريكي للسعودية و للحكم الملكي فيها مدة 60 سنة جددت سنة 2005، مقابل نفط العربية السعودية و باقي العرب. وضع الحامي و المحمي استمر مذ ذلك الحين مع بروز قوى إقليمية و دولية جديدة، و بمختلف الصيغ و الأشكال.

حرب حزيران يونيو 67 كانت أولى تجليات اتفاقات الحماية مقابل المال في مستواها الخارجي، حيث تسلح عبد الناصر و دفع من قوت ضعاف المصريين للإتحاد السوفيتي مقابل تفوق زائف على إسرائيل، فاشترى ما تيسر من طائرات و رادارات الخردة السوفيتية، قبل أن تدكها إسرائيل دكا على الأرض، و لا يهرب من القصف إلى مبارك مع سرب طائراته، و كأن الأقدار أرادت أن تنجي لمصر فرعونها، اختبارا و ابتلاء من رب العالمين.

ابتدأت مصر من الصفر، و بدل أن يخرج الناس مطالبين برؤوس من فشل و هزم و ضيع الأرض و العرض و المال، خرجت القطعان منادية ببقاء المهزوم جمال عبد الناصر. الرّيّس، كما كان ينادى، دفع من جديد من قوت الذين خرجوا ليطالبوه بالبقاء، للسوفيت المتخلفين من أجل إعداد العدة و العتاد، لحرب استرجاع الكرامة مع إسرائيل التي دامت ست سنوات، مقسمة على مرحلة الاستنزاف، و دامت ثلاث سنوات، و مرحلة  لا حرب و لا سلم و دامت أيضا ثلاثا.

نشبت بعد ذلك حرب  تحريك و ليس تحرير في أكتوبر من سنة ثلاث و سبعين، انتهت باتفاق و صلح بين مصر و إسرائيل، حيث شَرعَن أنور السادات كل تنازلاته بعبارته الشهيرة « عشان خاطر كارتر » (جيمي كارتر الرئيس الأمريكي الراعي لمفاوضات كامب ديفيد). أما حافظ الأسد فقد مثل دور البطل أمام شعبه، فاسترجع مدينة القنيطرة و ترك باقي الجولان تحت سيادة إسرائيل، ذريعة للجثوم على أنفاس شعبه بحزب البعث إلى يوم البعث.

 انتهت الحرب، لكن استنزاف الأوطان استمر، و استمر المسلم في أداء الجزية للنصراني، ليحميه من نفسه و من شعبه.

مصر، و خلال أزيد من ثلاث عقود، كانت تتجاهل دعوات تنمية الإنسان و بنائه للنهوض باقتصاد قوي أولا، قبل مواجهة العدو الإسرائيلي، المدعوم ماليا و تقنيا من ألمانيا الحديثة و أمريكا و باقي دول الغرب. إسرائيل ركّزت على بناء الإنسان و العلوم و التكنولوجيا، في وقت كان فيه عسكر مصر يشترون خردة السوفييت،  يتلذذون بالسلطة، و يرفضون أي محاولة إصلاح أو تنمية حقيقية، تحت سلطة الفيتو الشهير: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

أنهت مصر حربها العسكرية مع إسرائيل، و دخلت في حرب استنزاف جديدة مع شعبها.

سياسة الانفتاح التي دخلها السادات، و القائمة على الاستيراد بدل التصنيع، أدت لصعود طبقة غنية جديدة، لا تملك حسا وطنيا و لا قوميا، فقد ارتقت من الحمار للطائرة، دون المرور على درج كفاح الطبقة الوسطى.

كانت الجزية في مصر هاته المرة اقتصادية، فمقابل الحفاظ على حكم السادات و بعده مبارك، باع العسكريان الوطن لعملاء الخارج من رجال الأعمال الجدد بدراهم معدودات. أفقروا المواطن، و أغرقوا اقتصاد البلد بديون وصلت نهاية الثمانينات لثلاثين مليار دولار.

و لأن الجزية أنواع، فقد تخلص مبارك من ديونه بشطب بوش الكبير لها نهاية العام تسعين، مقابل مساندة مصر لأمريكا في تحرير الكويت من غزو العراق، و تلكئها في إيجاد حل للمشكل عربيا، و السماح للعم سام بدخول الخليج بحجة تحرير الكويت.

استمر خضوع نظام مبارك و تقديمه الجزية تارة مواقف سياسية، و تارة خضوعا اقتصاديا و أخرى تضييقا على شعب و مواطني فلسطين، و التخلي عنهم و حصارهم في أحلك الأيام.

سقط مبارك بمباركة و مساندة أمريكية، التي دربت مطلع ألفين و عشرة مئات الشباب المصري في واشنطن على أساليب التظاهر السلمي و الالتفاف على تقنيات الأمن في فك المظاهرات، و إيجاد حلول لحضر شبكة الإنترنيت. كان متظاهرو الخامس و العشرين من يناير يتصلون بالإنترنيت عبر الأقمار الصناعية حين كانت شركة فودافون و باقي الشركات تمنعها عنهم.

حلّ محمد مرسي للرئاسة من دكة الاحتياط بديلا للرجل الثاني في جماعة الإخوان، خيرت الشاطر الذي منع من الترشح لأسباب قيل إنها جنائية.استهلك الرئيس المهندس طاقة البلد في حرب عصابات مع وسائل إعلام نظام مبارك، و خرجات كان يتحدث فيها  عن تنظيف الشوارع من النفايات باعتباره إنجازا في المائة يوم الأولى من حكمه، بدل الزج بالفاسدين من نظام مبارك في السجون بعدالة ثورية و ليست عادية، و إطلاق مشاريع عملاقة تجيش الشعب بدل أن يقسم بمواضيع تافهة.

جاء صاحب نظرية « أنا لو أنفع أتباع حتباع »، فدفع الجزية للروس، مليارات من الدولارات صفقات تسلح، مقابل هدية تافهة من الرئيس بوتن عبارة عن « جاكت » يصلح لبرد سيبيريا و ليس للهيب صحراء سيناء، و اعترافا للفريق الأصلع بالشرعية و تشجيعه على الترشح. منح المشير بعدها الدب الروسي  صفقة إنشاء محطة للطاقة النووية في منطقة الضبعة الصحراوية بقيمة 25 مليار دولار دون احتساب الفوائد، حيث التشغيل و الصيانة للروس، و استهلاك الكهرباء و الدفع للمصريين.

فتح السيسي مسلسلا لا حصر له من بيع الأرض و الكرامة و الأمن و كل شيء مقابل عيونه السوداء، و عيون جنرالاته الذين يسيطرون على 40 في المائة من اقتصاد مصر دون رقيب و لا حسيب، و من أجل بقاء أنظمة لا تتق في شعوبها ، بل في عملاء من بينهم عبيط مصر الأول، الذي وعدهم بسرعة التدخل عند اقتراب الوحش الإيراني بوعده الشهير « مسافة السكة »، لكنه أخلف كعادة كل شياطين الجن و الإنس : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ، وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي.

أيوب رضواني

كاتب رأي و باحث في الجغرافية السياسية.